السيد محمد الصدر

12

منة المنان في الدفاع عن القرآن

والفقر كذلك يغشى الناس . ومنها : البلاء الأُخروي ، سواء أكان في يوم القيامة أم في جهنّم أم في موقفٍ من مواقفها ، فيصحّ أنَّه يغشى الناس . ومنها : البلاء الباطني للفرد من قبيل : الوسوسة والتشكيك . ومنها : الغفلة عن ذكر الله تعالى . ومنها : حجب الظلمة . ومنها : حجب النور . فكلّ هذه التفسيرات المختلفة يصدق عليها أنَّها غاشيةٌ ، وتكون هي المسيطرة ، بمعنى : أنَّها تغشى الإنسان وتسيطر عليه ، وتكون غاشيةً للإنسان إمّا بمعنى : أنَّها مهلكةٌ له أومسيطرةٌ عليه ، وإمّا بمعنى : أنَّها غطاءٌ أو مانعٌ للإنسان عن التكامل والعطاء الروحي فتكون من قبيل حجب الظلمة أو حجب النور ونحو ذلك . ولا ينبغي أن نهمل قرينة السياق ، أعني : الآيات اللاحقة ، أي : قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً « 1 » ، ثُمَّ الآيات التالية لها ، أي : قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ « 2 » . فتبيّن : أنَّ ( يومئذٍ ) يومٌ قابلٌ لهذا الانقسام : انقسامٍ إلى عذابٍ وإلى ثوابٍ وإلى كمالٍ وإلى نقصٍ ، وهذا يحصل في عوالم ثلاثة : الأوّل : عالم الدنيا ، ففي الدنيا فسقة وكفرة ، ولذا تصلى وجوههم ناراً حامية مع أنَّها الآن في الدنيا تأكل وتمشي ، بخلاف الوجوه الناعمة التي هي لسعيها راضية .

--> ( 1 ) سورة الغاشية ، الآيات : 2 - 4 . ( 2 ) سورة الغاشية ، الآيات : 8 - 9 .